المبشر بن فاتك
300
مختار الحكم ومحاسن الكلم
حتى دخل بيت آلهته عائذا « 1 » بها من ذي القرنين . ثم دبّر أمره ورأيه فقال : ما شئ أقرب إلى النجاة من الدخول في أمان الإسكندر ! فإنه كريم المقدرة ، وافى العهد . فكتب إليه كتابا يستعطفه فيه ويتذلل له ويسأله أن يرحمه ويبعث إليه بابنه وابنته وصاحبته ، ويعده أن « 2 » يعطيه ما في كنوز فارس وخزائن آبائه . فلما قرأ الإسكندر كتابه نهض بأصحابه نحوه . وبلغ دارا إقبال الإسكندر إليه فخرج هاربا فيمن بقي « 3 » معه إلى فور « 4 » ملك الهند ، ولحقه الإسكندر . فلما تراءى الجمعان والتقوا وثب بدارا بسّس وأريبزرن « 5 » صاحباه ووزيراه ليقتلاه ، ليحصلا بذلك الحرمة عند ذي القرنين . فعاتيهما دارا وذكّرهما جميله وإحسانه إليهما ، وأن لا يسفكا دمه لغيرهما « 6 » ؛ وإن ذا القرنين ملك فإن تقربتما إليه بقتلى لم تسلما لأن الملوك تأخذ ثأر الملوك . فضرباه بسيفيهما حتى وقع عن فرسه . فأدركه ذو القرنين قبل أن يقضى . فنزل « 7 » عليه ووضع رأسه في حجره ونفض التراب عن وجهه ووضع يده على صدره ، ثم قال وعيناه تدمعان : « يا دارا ! قم من مصرعك ، وكن ملكا على أرضك . وإلهي ، يا ملك فارس ، لاملّكنّك ولأردّنّ عليك ما أخذت منك ولأعيننّك على عدوّك . وإني لأتذمّم منك لأنى قد طعمت من طعامك أيام حياتك كأني رسول . فقم غير مؤاخذ منك بما سلف عنك ، ولا تجزع عند حلول البلاء ، فإن أهل النعمة والملك أصبر على البلاء من غيرهم . وأعلمني من فعل بك هذا لأنتقم لك منه ! » فقال دارا وعيناه تدمعان وقد وضع يدي ذي القرنين على
--> ( 1 ) ح ، ص : عائدا . ( 2 ) ح ، ص : بأن . ( 3 ) بقي : ناقصة في ص ، ح . ( 4 ) فور - Porus . ( 5 ) هما Bessus و Ariobazarnes . وفي ص ، ح : أهين وأبين ؛ ن : أبين وأسس ! ( 6 ) ن : بغيرهما . ( 7 ) لاحظ حرص المؤلف على إبراز هذه اللمحات الإنسانية في الإسكندر !